البغدادي
364
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
يجزيك أو يثني عليك وإنّ من * أثنى عليك بما فعلت كمن جزى ومرّ ببلال بن رباح رضي الله عنه ، وهو يعذّب برمضاء مكّة فيقول : أحد ! أحد ! فوقف عليه فقال : أحد أحد واللّه يا بلال ! ونهاهم عنه فلم ينتهوا ، فقال : واللّه لئن قتلتموه لأتّخذنّ قبره حنانا « 1 » ! وقال : * لقد نصحت لأقوام وقلت لهم * . . . الأبيات التي شرحناها وفيها بيت الشاهد . وقد نسب هذه الأبيات إلى ورقة السّهيليّ أيضا ، وكذا الحافظ أبو الربيع الكلاعيّ في سيرته . وقال السّهيليّ : قوله : حنانا ، أي : لأتخذنّ قبره منسكا ومترحّما ؛ والحنان : الرحمة . وقد وقع بيت الشاهد في كتاب س غير معزوّ إلى واحد ، واختلف شرّاح شواهده ، فأكثرهم قال : إنّها لأميّة بن أبي الصّلت ، وقال بعضهم : إنّها لزيد بن عمرو بن نفيل . والصواب ما قدّمناه . وحاصل ما ذكره البقاعيّ في شأن ورقة بن نوفل : أنّه ممن وحّد الله في الجاهليّة ، فخالف قريشا وسائر العرب في عبادة الأوثان وسائر أنواع الإشراك ، وعرف بعقله الصحيح أنّهم أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام ، ووحّد الله تعالى واجتهد في تطلب الحنيفيّة دين إبراهيم ليعرف أحبّ الوجوه إلى الله تعالى في العبادة . فلم يكتف بما هداه إليه عقله ، بل ضرب في الأرض ليأخذ علمه عن أهل العلم بكتب الله المنّزلة من عنده ، الضابطة للأديان ، فأدّاه سؤاله أهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم إلى أن اتبع [ الدين « 2 » ] الذي أوجبه الله في ذلك الزمان ، وهو الناسخ لشريعة موسى عليه السلام : دين النّصرانيّة ؛ ولم يتّبعهم في التبديل ، بل في التوحيد ؛ وصار يبحث عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم الذي بشّر به موسى وعيسى عليهما السلام .
--> ( 1 ) وقوله : " لأتخذن قبره حنانا " . قال الأثير في النهاية 1 / 266 : " أراد : لأجعلن قبره موضع حنان ، أي مظنة من رحمة الله " . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق من النسخة الشنقيطية .